الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

237

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ( 1 ) . إنهم يخالفونكم في العقيدة ، كما أنهم شنوا عليكم الحرب عمليا ، ويعتبرون إيمانكم بالله - الذي هو أكبر فخر لكم وأعظم قداسة تجللكم - غاية الجرم وأعظم الذنب ، ولهذا السبب قاموا بإخراجكم من دياركم وشتتوكم من بلادكم . . ومع هذه الأعمال التي مارسوها معكم ، هل من المناسب إظهار المودة لهم ، والسعي لإنقاذهم من يد العدالة والجزاء الإلهي على يد المقاتلين المسلمين المقتدرين ؟ ثم يضيف القرآن الكريم موضحا : إن كنتم خرجتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي ( 2 ) فلا تعقدوا معهم أواصر الولاء والود . فإذا كنتم ممن تدعون حب الله حقا ، وهاجرتم من دياركم لأجله سبحانه وترغبون في الجهاد في سبيله طلبا لرضاه تعالى ، فإن هذه الأهداف العظيمة لا يناسبها إظهار الولاء لأعداء الله سبحانه . ثم يضيف عز وجل للمزيد من الإيضاح فيقول : تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ( 3 ) ( 4 ) . وبناء على هذا فما عسى أن يغني الإخفاء وهو واقع بعلم الله في الغيب والشهود ؟ وفي نهاية الآية نجد تهديدا شديدا لمن يجانب السبيل الذي أمر به الله

--> 1 - جملة : ( تلقون إليهم بالمودة ) قالوا : إنها حال من ضمير ( لا تتخذوا ) كما قيل : إنها جملة استئنافية ( الكشاف ، ج 4 ، ص 512 ) . الباء في ( المودة ) إما زائدة للتأكيد كما في قوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة أو أنها سببية بحذف المفعول الذي تقديره : ( تلقوا إليهم أخبار رسول الله بسبب المودة التي بينكم وبينهم ) الكشاف أيضا . 2 - يعتقد بعض المفسرين أن هذه الجملة الشرطية لها جزاء محذوف يستفاد من الجملة السابقة تقديره : ( وإن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي لا تتولوا أعدائي ) . 3 - الجملة أعلاه جملة استئنافية . 4 - التعبير هنا ب‍ ( ما أخفيتم ) عوض ( ما أسررتم ) جاء تأكيدا للمبالغة ، لأن الإخفاء مرحلة أعمق من السر ( تفسير الفخر الرازي نهاية الآيات مورد البحث ) .